الذهبي

325

سير أعلام النبلاء

العبادات والنوافل والأذكار والاجتهاد طلبا للنجاة ، إلى أن جاز تلك العقاب ، وتكلف تلك المشاق ، وما حصل على ما كان يرومه . ثم حكى أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون الدقيقة ، والتقى بأربابها حتى تفتحت له أبوابها ، وبقي مدة في الوقائع وتكافؤ الأدلة ، وفتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شئ ، وحمله على الاعراض عما سواه ، حتى سهل ذلك عليه ، إلى أن ارتاض ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنا نظن به ناموسا وتخلقا ، طبعا وتحققا ، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له . ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته ، والرجوع إلى ما دعي إليه ، فقال معتذرا : ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ، ومنفعة الطالبين ، وقد خف ( 1 ) علي أن أبوح بالحق ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقا في ذلك ، فلما خف أمر الوزير ، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتخذ في جواره مدرسة للطلبة ، وخانقاه للصوفية ، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ، ومجالسة ذوي القلوب ، والقعود للتدريس ، حتى توفي بعد مقاساة لأنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسعي فيه إلى الملوك ، وحفظ الله له عن نوش أيدي النكبات . إلى أن قال : وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ، ومجالسة

--> ( 1 ) في " طبقات السبكي " : 6 / 210 : حق .